محمد بن عمر التونسي

253

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

له : أتعرّض بي أنى مقطوع ؟ لا بدّ من قتلك . فقاموا إليه وتلطفوا به ، وهو لا يرجع عن قوله ، حتى أرضوه بخيولهم كلّها . وكان الخصىّ للخليفة [ إسحق ] بن السّلطان تيراب اللّذين أسلفنا ذكرهما . ومن عتوّهم أنّ [ الأب ] الشيخ محمد أوردكّا « 1 » كان في أيّام السّلطان تيراب في منصب الأبوّة ، ومن عادة الأب [ الشيخ ] أن يتوجّه لبلاده ومحلّ حكمه في كل سنة في فصل الربيع ، ويجمع أهل البلاد في يوم واحد ، ويعرض الرّجال ، ويرى العساكر . فاتّفق أنه جمعهم في يوم شديد الحرّ في رحبة واسعة أمام داره ، ولم يخرج لهم حتّى فاتت القائلة ، فخرج في أبّهته راكبا جواده ، والعبيد يظلّلونه من حرّ الشمس ، ويجلبون له الهواء بالمراوح ، وخرج العسكر ، وصفّوا الناس صفوفا كدائرة ، وهو واقف ينظرهم ، وقد اشتدّ الحرّ وأمر الناس بالجثىّ على ركبهم ، وسلاحهم ودرقهم في أيديهم . فكان الإنسان منهم لا يستطيع الجثىّ لشدّة حرّ الرّمضاء ، وسال العرق ، وكثر القلق ، ومكث مليّا لا يأمر بأمر ، ولا ينهى عن شئ . وعطش الناس ، وأخذ منهم حرّ الشمس أكبر مأخذ ، وهم صابرون على ما قضاه اللّه عليهم ، حتى مات بعضهم من العطش . ولما رأى قلق العالم وتحيّرهم ، أعجبه ذلك وضحك ، وقال بلسان الفور : ( 230 ) نتونتونتو « يوما عبوسا قمطريرا » . وكرّرها مرّتين أو ثلاثا ، وكان العالم المجتمع في تلك الجلدنيحا ، أي : العرض ، ما ينوف عن زهاء عشرين ألفا ، وكان فيهم

--> ( 1 ) أوردكا : لقب فوراوى مركب من كلمتين : « أور » بمعنى : شاب ، و « دكا » بمعنى : أسود Voyage au Darfour , p . 254 , Note I .